الإعلانات

لن تصدق للمرة الأولى: عشرات الرسائل الضائعة لتجار عرب تُفتح بعد أن ظلت مخبَّأة لأكثر منذ 259 عاماً، وتحكي قصصاً إنسانية وتجارية مهمة

وقالت الدكتورة ميريام فاغنر، بعد أن قرأت الرسائل لأول مرة: «انتابني شعورٌ أشبه باكتشاف مقبرة توت عنخ آمون. كان شعوراً مميزاً جداً». وفاغنر هي مديرة البحوث بمؤسسة Woolf Institute، التي تأسست عام 1998 لوضع إطار أكاديمي لمناقشة الاختلافات الدينية، ومقرها كامبريدج. بالنسبة لهذا المشروع، فإنها تعمل مع باحث مصري شاب في مرحلة ما بعد الدكتوراه، يدعى محمد أحمد، بهدف ترجمة ودراسة مجموعة الخطابات هذه ونشرها في النهاية، مع تعليق، في كتابين.
أوراق الجائزة، أو خطابات عربية قرصنتها سفن بريطانية
هذه الخطابات جزء من مجموعة أكبر تعرف باسم «أوراق الجائزة» وهي كمية هائلة تضم حوالي 160 ألف خطاب وُجدت في آلاف السفن التي استولت عليها البحرية الملكية البريطانية أو السفن المسلحة، لا سيما القراصنة المرخصين من الحكومة، على مدى ثلاثة قرون. هذه الخطابات التي خُزّنت في المملكة المتحدة يجري الآن تسجيلها بشكل رقمي في مشروع تديره إدارة الأرشيف والوثائق الوطنية وجامعة أولدنبورغ في ألمانيا.
نصوص وشفرات وألغاز في الخطابات القديمة
ومع ذلك، فأوراق الجائزة العربية أمرٌ منفصل، وإن كانت قد تشكل جزءاً من الأرشيف الرقمي النهائي. ويمتلئ هذا النص، حتى بالنسبة للغويّين ماهرين مثل فاغنر وأحمد، بالكلمات التي تنطوي على مفارقات تاريخية فُقدت منذ وقت طويل، وأحياناً ما تكون جزءاً من شفرة مستندة إلى اللاتينية لحماية الأسرار التجارية. في الخطابات الأطول، عادة ما يتدهور الخط مع شعور الكاتب بالتعب. أحياناً، قد يستغرق الأمر ساعات للاتفاق على كلمة واحدة. وقال أحمد: «ثمة كلمات لا أفهمها أنا نفسي، رغم أن اللغة العربية هي لغتي الأم. هذه الكلمات ليست حتى في القواميس».

تحتوي هذه الحزمة المغلفة بالشمع على رسائل كتبها تجار عرب
ومع ذلك فهذه الخطابات في حالة ممتازة.
وقال أحمد: «الحبر يلمع». ولما أزيلت الخطابات من الأرشيف، فتح القائمون على حفظها أختام الشمع بلطف ونشروها بعد أن ظلت 259 عاماً طيّ الكتمان. كانت هذه الخطابات في ثلاث حزم كبيرة، كل واحدة منها موجهة إلى الوكيل الأساسي للتاجر. وداخل الحزم كانت عشرات الخطابات لتجار آخرين لتوزيعها على يد شبكات رجال البريد المحلية.
تجار مسيحيون يكتبون بلغة التجارة الدولية «العربية»
كان المرسلون تجاراً عرباً مسيحيين، لكنَّ من تاجروا معهم كانوا من ديانات مختلفة، بما في ذلك المسلمون واليهود. بعض العبارات مسيحية أو عبرية، لكنها كُتبت باللغة العربية التي كانت لغة التجارة الدولية في المنطقة تحت حكم الإمبراطورية العثمانية. وقالت فاغنر: «هذه ومضة من الشرق الأوسط بتعدديته الثقافية المذهلة. إنَّ هذه الفكرة القائلة بأمة واحدة ودين واحد ولغة واحدة مفهوم أوروبي للغاية اقتحم الشرق الأوسط حينها. جاءت هذه الرسائل قبل حلول الزمان الذي بدأ فيه هذا النوع من التفكير في تسميم الأجواء».
حرب السنوات السبع
وقد وقعت بضائع التجار العرب ومراسلاتهم في شباك صراع عالمي يعرف الآن باسم حرب السنوات السبع. وقد أدت هذه الحرب التي شُنت عبر القارات والمحيطات إلى ضرب القوى الأوروبية بعضها بعضاً في تحالفين كبيرين، أحدهما ترأسه بريطانيا وبروسيا، والآخر شمل فرنسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، ومركزها النمسا لكنَّ أراضيها شملت معظم ما يعرف الآن بهولندا.
ولم يكن التجار العرب محظوظين
كان سوء الحظ ملازماً للتجار العرب أكثر من غيرهم. أولاً استأجرت شركة تملكها هولندا سفينة St Luigi di Gonzaga واشتبه في أنها تحمل شحنة فرنسية ما أدى إلى جذبها إلى الصراع. ثانياً، شهد عام 1759 سفينة البحرية الملكية البريطانية وهي توقع سلسلة من الهزائم الساحقة بأعدائها، لتصبح أقوى سفينة في العالم.
لقطة من التجارة العالمية في منتصف القرن 18
وبالنسبة لسفينة HMS Ambuscade، التي سوف تشارك بعد وقت قليل في الانتصار على الأسطول الفرنسي في لاغوس، فقد كانت سفينة توسكان التجارية صيداً سهلاً. وتظهر السجلات أنَّ حمولة السفينة الإيطالية كانت لقطة من التجارة العالمية في منتصف القرن الثامن عشر. كان هناك صوف من إنكلترا، وقرطم وزيت زيتون وحاوية من النبيذ. ومن جزر البهار في الشرق، كان هناك قهوة وفلفل. الأكثر غرابة كان وجود شحنة من الصبغ الأحمر، وهو صبغة حمراء تأتي من سحق حشرات توجد في المكسيك فحسب، التي كانت في ذلك الوقت مستعمرة إسبانية. وفي رحلة العودة، كان من المفترض أن تحمل السفينة الجلود، من الجمال والثيران والجواميس، التي كانت واحداً من أهم الصادرات المصرية. وكان هناك طلب على مصائد الفئران المصرية، التي كانت على ما يبدو فعالة في التعامل مع الفئران الكثيرة على السفينة.
وتعليمات التجار لم تصل
وتشمل الخطابات تعليمات دقيقة حول موعد بيع البضائع لزيادة الأرباح إلى حدها الأقصى. وثمة معلومة أفادت بأنَّ قافلة من المقرر وصولها من الحجاز، وهي المنطقة الساحلية فيما يعرف الآن بالسعودية، سوف تزيد الأسعار أولاً، لكن من المحتمل أن تغرق السوق. من المفترض أنَّ هذه القافلة تحمل البخور، الذي يشتد عليه الطلب في أوروبا، لكن ثمة تحذير من أنَّ ذلك البخور ربما لا يكون ذا نوعية جيدة، وأنه ربما يكون مخلوطًا بالحصى والتراب.
وقصص إنسانية مؤثرة، يمكن تخمين بقيتها
وبعيداً عن التجارة تبرز القصص الإنسانية. يشعر البعض بالقلق حول الضرر الذي قد سببه الصراع ذاته الذي أدى إلى الاستيلاء على سفينة توسكان.
الإعلانات

تصفح المزيد!

اغلق
هام بالصور.. وثائق كانت تارة فارس تحملها لحظة مقتلها وبرقية الحادث